محمد جمال الدين القاسمي

157

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال ابن كثير : هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث اللّه به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام ، المتفقة في التوحيد . كما ثبت في ( صحيح البخاريّ ) « 1 » عن أبي هريرة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات . ديننا واحد . يعني بذلك ، التوحيد الذي بعث اللّه به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله . كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 25 ] . وقال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] الآية . وقال أبو السعود : قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً كلام مستأنف جيء به لحمل أهل الكتابين ، من معاصريه صلى اللّه عليه وسلم ، على الانقياد لحكمه بما أنزل إليه من القرآن الكريم . ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره من الكتابين ، وإنما الذي كلفوا العمل بهما من مضى قبل نسخهما من الأمم السالفة . والخطاب بطريق التلوين والالتفات للناس قاطبة ، لكن لا للموجودين خاصة ، بل للماضين أيضا بطريق التغليب . والمعنى : لكل أمة كائنة منكم . أيها الأمم الباقية والخالية ، جعلنا - أي عيّنا ووضعنا - شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة . لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التي عيّنت لها . فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام شرعتهم التوراة . والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبيّ عليهما الصلاة والسلام شرعتهم الإنجيل . وأما أنتم أيها الموجودون فشرعتكم القرآن ليس إلّا . فآمنوا به واعملوا بما فيه . وفي ( الإكليل ) : استدلّ بهذه الآية من قال : إنّ شرع من قبلنا ليس بشرع لنا . وبقوله : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ . . . الآية ، من قال : إنه شرع لنا ما لم يرد ناسخ . واستدلّ بالآية . أيضا من قال : إن الكفر ملل لا ملة واحدة ، ولم يورّث اليهود من النصارى شيئا . انتهى . قال النسفيّ : ذكر اللّه إنزال التوراة على موسى عليه السلام . ثم إنزال الإنجيل على عيسى عليه السلام . ثم إنزال القرآن على محمد صلى اللّه عليه وسلم . وبيّن أنه ليس للسماع فحسب ، بل للحكم به . فقال في الأول : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ وفي الثاني .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 48 - باب وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها ، حديث 1617 ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدينا والآخرة . والأنبياء إخوة لعلّات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد » .